القول المبين في تحريم الهجرة من فلسطين

#
القول المبين في تحريم الهجرة من فلسطين

الحمد لله الذي جعل فلسطين أرضاً مباركة للعالمين، وقضى أن تكون حاضنة للطائفة المنصورة التي لا يَضُرُّها مَنْ خالفها، ولا من خذلها إلى يوم الدين، كما قَدَّر أن يُفْسِدَ فيها بنوإسرائيل مرتين، وأن يعلوا علواً كبيراً؛ فيحق عليهم القول، فيدمرهم تدميرا، ويرسل عليهم عباداً له أولي بأس شديد، فيجوسوا خلال ديارهم، ويسوؤوا وجوههم، ويتبروا ما علاه بنوإسرائيل تتبيرا، فقد تأذَّن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، جزاء اعتدائهم في السبت، وادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقد ضرب عليهم الذلة والمسكنة بكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، كما لعنهم على لسان داوود وعيسى بن مريم، وباؤوا بغضب على غضب ، وللكافرين عذاب مهين.

أما بعد:

فإن الحديث عن الحكم الشرعي للهجرة من فلسطين يستوجب أن أعرض لبعض الأحكام المتعلقة بالهجرة، خاصة أسباب مشروعيتها وحكمتها، والإلمام بمفهوم دار الإسلام ودار الحرب، وهل يلتحق بدار الحرب أرض البغاة، وأقاليم البدعة، أو أرض الحرام والفتنة.

إن من المعلوم أن السابقين الأولين من المؤمنين قد اضطروا إلى الهجرة إلى الحبشة، فقد كان فيها مَلِكٌ لا يظلم عنده أحد، هوالنجاشي رضي الله عنه، فقد أسلم، وكتم إيمانه، حتى نعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم موته، وأقام عليه صلاة الغائب.

ثم كانت الهجرة الكبرى إلى المدينة المنورة، فقام سلطان الإسلام، ورُفِعتْ راية الخلافة، وكانت طَيبَةُ مستقراً للمهاجرين، حتى بعد فتح مكة، فقد تَبَوَّأَ أهلها الدار والإيمان، وكانوا ممن يؤثرون على أنفسهم، ولوكان بهم خصاصة.

إن الهجرة دأب الأنبياء من قبل، فهذا سيدنا إبراهيم يهاجر، ومعه ابن أخيه لوط عليهما الصلاة والسلام، فقد ترك العراق، وتوجه تلقاء فلسطين، كما أوى إليها سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام قبل النبوة بعشر سنين، ثم هاجر إليها ثانية، ولم تكتحل عيناه بها، بسبب التيه الذي ضُرِبَ على قومه أربعين سنة، حين قالوا: اذهب أنت وربك فقاتلا؛ إنا ههنا قاعدون، حتى إذا أدركه الموت سأل الله أن يُدْنِيَه منها رمية حجر، فكان قبره هناك على حدود العريش.

إن أصحاب الكهف قد عزموا على الهجرة فراراً بدينهم من الفتنة، غير أنهم لما أَوَوْا إلى الكهف ضرب الله على آذانهم فيه سنين عدداً، فلبثوا رقوداً وتحسبهم أيقاظاً ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، وكنت لواطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ، ولملئت منهم رعبا.

ويحسن بنا أولاً أن نقف على مفهوم الهجرة قبل الحديث عن حكمها أوحكمتها:

المبحث الأول : معنى الهجرة والألفاظ ذات الصلة بها:

أ‌- الهجرة بالكسر مفارقة بلد إلى غيره، فإن كانت قربةً لله فهي الهجرة الشرعية[1]، وهي الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة، أوالمحنة[2].

ب‌- دار الإسلام: هي كل بقعة تكون فيها أحكام الإسلام ظاهرة.

ت‌- دار الحرب: هي كل بقعة تكون أحكام الكفر فيها ظاهرة.

والعلاقة بين هاتين الدارين، وبين الهجرة، أن دار الحرب تكون منها الهجرة، بينما دار الإسلام تكون إليها ابتغاء وجه الله[3].

المبحث الثاني: حكم الهجرة:

كانت الهجرة في الفترة المكية جائزة مباحة؛ لذلك فقد هاجر بعض الصحابة إلى الحبشة مرتين؛ إذْ ترامى إلى مسامعهم أن أهل مكة قد أسلموا، فعادوا أدراجهم، ثم تبين لهم أنهم لا زالوا يقولون: لا تسمعوا لهذا القرآن، والْغَوْا فيه لعلكم تغلبون، فانقلبوا إليها كرة أخرى، وظلوا هنالك إلى فتح خيبر، ثم قَدِموا وعلى رأسهم جعفر رضي الله عنهم أجمعين.

وقد صارت الهجرة من بعد واجبةً يوم وصل النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، فاستأسدت قريش على من بقي من المسلمين، وراحت تفتنهم في دينهم، فصار الفرار بالدين، واللحاق بخاتم النبيين؛ نصرة لله ورسوله، كتاباً مفروضاً[4]، ولم يُسْتَثْن من ذلك إلا المستضعفون من الرجال والنساء والولدان، لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلاً، فأولئك عسى الله أن يعفوعنهم، وكان الله عفواً غفوراً.

وقد تكفل ربنا تبارك وتعالى لمن يهاجر في سبيل الله أن يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة، وأرض الله واسعة، ولا حجة لمن يخاف من الموت أوالقتل، فكل نفسٍ ذائقة الموت، ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله، ثم يدركه الموت، فقد وقع أجره على الله، ولئن قتلتم في سبيل الله أومتم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون، كما أنكم إذا خفتم على أموالٍ اقترفتموها، أوتجارةٍ تخشون كسادها، فاعلموا أن معظم الدواب لا تحمل رزقها، فالله يرزقها وإياكم، ولوتوكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدوخماصاً، وتروح بطاناً[5].

المبحث الثالث: حكم الهجرة بعد فتح مكة:

بعد أن عادت مكة المكرمة داراً للإسلام لم يعد هناك حاجة للهجرة منها، ومع ذلك فإن هناك طائفةً من الأحاديث في الهجرة بعد الفتح، ظاهرها التعارض.

فقد روى البخاري من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - انه قال: لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية[6]؛ أي الخروج للجهاد، أولنية طاعةٍ؛ كسفر الحج، أوطلب العلم، أوالضرب في الأرض يبتغون من فضل الله ورزقه[7].

وفي المقابل فقد أخرج أبوداود من حديث معاوية - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها"[8].

وقد اجتهد العلماء في إزالة هذا التعارض[9]، فقال بعضهم إن النفي منصرف إلى الهجرة الواجبة، وبقيت المندوبة؛ كالخروج للقتال، أولألوان الطاعات والمعايش، بينما ذهب آخرون إلى أن الهجرة المرتفعة هي التحول من مكة إلى المدينة، أما الرحيل عن دار الكفر التي يخضع فيها المسلم لأحكام الكفار، واللحاق بدارٍ يحكم فيها بالشريعة، فباقية إلى يوم القيامة، وراح فريق ثالث يحصرها في المعنى المجازي، وهوهَجْرُ السيئات؛ استناداً إلى حديث عبد الله بن عمروبن العاص رضي الله عنهما عند البخاري: " والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"[10].

كلمات مفتاحية: