القدس... العصور التاريخية

هاجر الكنعانيون بسبب الجفاف والقحط من الجزيرة العربية باتجاه بلاد الشام في الألف الرابع قبل الميلاد، وأقام الكنعانيون داخل بلاد الشام وجنوبها الشرقي (شرقي الأردن) إضافة إلى جنوب فلسطين وساحلها وجنوبها الغربي. وعرفت المنطقة التي نزلت بها القبائل الكنعانية باسم (أرض كنعان)، وشملت الشريط الساحلي الممتد من صيدا وحتى غزة، ومن الساحل الغربي إلى البحر الميت شرقاً، ومن بحيرة طبريا شمالاً إلى بئر السبع جنوباً.

وكان الكنعانيون ينقسمون إلى قبائل متعددة، اتخذت كل واحدة منها مكاناً خاصاً نزلت فيه، دون أن تتمكن من إقامة دولة موحدة، إلا أنها كانت على جانب كبير من الحضارة والمدنية. وتبرز الدراسات التاريخية، بأن قبيلة (يبوس) تعد أول من سكن مدينة القدس وما حولها، وكان ذلك سنة (2500) قبل الميلاد.

وعلى الرغم أن الكنعانيين عبدوا عدة آلهة في الإطار العام، إلا أن الدلائل تؤكد على أنهم اعتقدوا بالتوحيد ومارسوا هذه العقيدة. فقد أشارت روايات التوراة إلى أن ملكي صادق، الملك العربي اليبوسي الذي حكم مملكة (شاليم – ساليم) وكان صديقاً لخليل الله إبراهيم عليه السلام اعتقد هو وجماعته بالله الواحد العلي مالك السماوات والأرض، واتخذ من بقعة الحرم القدسي الشريف معبداً له، وقدم ذبائحه على موضع الصخرة المشرفة، وقد مجدته التوراة، كما مجده الإنجيل باعتبار أنه أول من قدس الحرم الشريف ووصفاه بأنه (كاهن الله العلي).

وتدل الدراسات التاريخية والأثرية أن الكنعانيين لم ينقطع نسلهم في فلسطين مع كثرة الأجناس التي تعاقبت على السكن فيها، فقط ظلوا فيها حاكمين ومحكومين يشكلون سواد السكان بعد اندماجهم مع المسلمين وإن كان اسمهم قد غاب في التاريخ.

1- العصر الفرعوني:

حكم الفراعنة المصريون القدس في مطلع القرن السادس عشر قبل الميلاد، واستمرت فترة النفوذ المصري نحو مائتين سنة، فقد تعرضت المدينة إلى غارات البدو (الخابيرو)، مما اضطر الوالي المصري عبدي خيبا أن يستنجد بأخناتون، غير أن الأخير لم يتمكن من مساعدته. ولم يعد الحاكم المصري للقدس إلا في زمن سيتي الأول (1317-1301) قبل الميلاد، ويستدل من إحدى الرسائل التي أرسلها عبد خيبا إلى سيده اخناتون أن سكان المدينة قد اضطروا إلى مغادرتها والهرب إلى الجبال وبعضهم قد التجأ إلى مصر، حيث جاء في الرسالة "وأخذ الفلسطينيون يهاجرون رعباً من فظائع بدو الخابيري، فتركوا بلادهم واعتصموا بالجبال".

2- العصر اليهودي:

هاجم اليهود فلسطين في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وفي عام 977 أو 1000 ق.م تمكن داود عليه السلام من الاستيلاء على المدينة وسماها باسمه، وبنى فيها قصراً وحصوناً. وخلف سليمان عليه السلام الذي ولد ونشأ في القدس والده وحكم القدس أربعين سنة، بنى خلالها الهيكل في المكان الذي كان يتعبد فيه ملكي صادق. وكان هذا المعبد لجميع اليهود ثم أصبح بعد وفاة سليمان  عليه السلام معبداً لأقلية من اليهود حيث انقسمت الدولة في عهد رحبعام بن سليمان واختفى اسم (مدينة داود) ليحل محله اسم (أورشليم) تجريفاً لاسمها العربي الكنعاني. وخلال 337 سنة، وهي فترة حكم اليهود، حكم عشرون ملكاً، مات أكثرهم من نصفهم قتلاً بأيدي قومهم. وقد أصاب القدس في ظل الحكم اليهودي الكثير من الأهوال، فقد استولى عليها الأعداء مراراً، وسلبوا أموالها وعمت الفوضى الدينية والفساد وشاعت العبادة الوثنية بين سكانها وأكثرهم من اليبوسيين والكنعانيين والعموريين.

3- العصر الفارسي:

وفي زمن صدقيا بن يوشيا، وهو آخر ملوك اليهود على القدس (597-586) ق.م، أرسل نبوخذ نصر (بختنصر) جيشه وحاصر المدينة ثم احتلها ونقل سكانها من اليهود أسرى إلى بابل بالعراق، ومن بينهم الملك وأحرق الهيكل، وخرب المدينة وجعلها أكواماً من الأنقاض. وبعد أن استولى الفرس على سورية وفلسطين، سمح الملك قورش سنة 538 ق.م لمن أراد من الأسرى اليهود بالعودة إلى القدس. وبتأثير زوجته التي يتصل نسبها بملوك اليهود، بنى قورش – رغم مقاومة سكان جنوب فلسطين وأوساط الشام – هيكلاً جديداً أسماه هيكل قورش. وظل هذا الهيكل قائماً من سنة 515 ق.م وحتى سنة 20 ق.م حين بدأ هيرودوس الكبير في بناء هيكلاً جديداً.

4- العصر اليوناني:

استولى الاسكندر المقدوني على القدس سنة 332 ق.م، فاستقبله سكانها من اليهود بالترحاب متناسين فضل الفرس عليهم، وبعد وفاة الاسكندر، تأرجحت السيطرة على المدينة في عهد خلفائه، فخضعت أولاً للبطالمة في مصر ثم انتقلت سنة 198ق.م إلى حكم السلوقيين في سورية. وقد تأثر السكان في هذا العهد الهلينستي بالحضارة الإغريقية، وقام الملك السلوقي انطيوخوس الرابع بتدمير الهيكل سنة 165 ق.م وأرغم اليهود على اعتناق الوثنية اليونانية. وكان من نتيجة ذلك أن اندلعت ثورة المكابيين، ونجح اليهود في إحداث قلاقل وفتن وحروب دامية، وحصلوا على نوع من الحكم الذاتي تحت حكم الحاسمونيين من سنة 135 وحتى سنة 76 ق.م.

5- العصر الروماني:

بعد فترة من الفوضى، استولى القائد الروماني بومبي على القس سنة 63 ق.م فأصبحت المدينة تتبع الإمبراطورية الرومانية، ولكن في عام 40 ق.م استولى الفرس على القدس مرة أخرى ثم لم يلبث الرومان أن استردوها بعد عامين، وعينوا هيرودوس الأرومي ملكاً عليها، فجدد بناء الهيكل إرضاءً لليهود الذين سمح لهم بشيء من الحكم الذاتي.

ورغم الامتيازات التي خص الرومان السكان اليهود بها عن غيرهم، إلا أن القدس نظموا عصياناً وقاموا بإحداث شغب مما اضطر تيطس إلى دخول القدس سنة 70 ميلادية لتأديبهم، فأحرق المدينة بعد نهبها حتى أصبحت قاعاً صفصفاً وبيع كثير من الأسرى اليهود في سوق العبيد. ورغم قضاء  الإمبراطور الروماني المبرم على القدس، إلا أن سكانها من اليهود عادوا إلى التمرد في عامي 115 و 132 ميلادية، وتمكنوا في المرتين من السيطرة على المدينة. فما كان من الإمبراطور هدريان إلا أن أخمد هذا التمرد بعد تدمير المدينة 135 ميلادية وحرث أرضها وتشتيت أهلها ما بين قتيل وأسير. ولم يسمح هدريان إلا للمسيحيين فقط بالإقامة في القدس، شريطة ألا يكونوا من أصل يهودي. كما أمر الإمبراطور بألا يسكن (إيليا) أي من اليهود الذي شتتهم في أنحاء العالم. وبذلك يكون الرومان قد دمروا القدس مرتين، انقطع إثرهما تواجد اليهود فيها لمدة ألف سنة، فلم يسكنوها، وإن الإمبراطور قسطنطين قد سمح لهم فيما بعد بدخول المدينة زائرين مرة واحدة في السنة، وخلال القرون الخمسة التي تلت التدمير الثاني للمدينة استعان الرومان بنحو خمسين يهودياً للخدمة والأعمال الدنيا.

ولما انقسم الرومان عام 395 ميلادية إلى قسمين متناحرين، ضعفت مملكة القدس، فهاجمها الفرس واحتلوها عام 614 ميلادية بمساعدة خمسة وعشرون ألف يهودي. وكان لليهود دوراً بارزاً في الفتن والنهب والدمار والحرق الذي أصاب كنيسة القيامة والأديرة والكنائس حيث قدر عدد القتلى من المسيحيين بأكثر من ستين ألفاً. ولكن هذا الوضع لم يستمر طويلاً، إذ انتصر هرقل على الفرس عام 627 ميلادية، واسترد الصليب منهم وأعاد القدس إلى الحكم الروماني مرة أخرى.

6- العصر الإسلامي الأول:

بعد قتال دام أربعة أشهر كاملة، طلب البطريرك صفرونيوس من قائد جيوش المسلمين – أبو عبيدة بن الجراح – أن يستدعي الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليسلمه شخصياً مدينة القدس. ودخل عمر بن الخطاب عن طريق جبل المكبر في أيار من سنة 636ميلادية حيث كتب للنصارى وثيقة منحتهم الحرية الدينية في القدس مقابل الجزية بناء على طلبهم. وبناءاً على تلك الوثيقة التي عرفت باسم (العهدة العمرية) بقي النصارى على حالهم في ظل مختلف حقب الحكم الإسلامي، محتفظين بكنائسهم وبحرية أداء شعائرهم ومعتقداتهم.

ومع عمر بن الخطاب وبعده، وفَدَ إلى القدس عدد كبير من الصحابة والتابعين، وأقبل المسلمون عليها من كل ناحية، فمنهم من جاء مع الفتح ومن جاءها بقصد الإقامة، ومنهم من جاءها بقصد الزيارة والتبرك وتلقي العلم، ومنهم من جاءها للإهلال بالحج والإحرام قبل التوجه لمكة المكرمة. وكهذا، أخذ العنصر الإسلامي ينمو وينتشر بسرعة وعاد إلى المدينة طابعها الإسلامي.

أولى الخلفاء الأمويون والعباسيون مدينة القدس اهتماماً كبيراً، وكان للمدينة منزلة وعناية خاصة. وشهدت الحركة العلمية في القدس ابتداءً من القرن الثاني الهجري انتعاشاً كبيراً تمثل في زيارة وإقامة عدد كبير من العلماء والأئمة من مختلف البلدان. كما شهدت المدينة نهضة طبية، وبرز فيها عدد من الأطباء المشهورين.

7- العصر الصليبي:

الخلافات بين السلاجقة والفاطميين وتنازعهم المستمر على بلاد الشام من جهة، والصراعات الداخلية بين سلاطين السلاجقة، وهم الذين كانوا يمسكون بمقدرات الخلافة العباسية آنئذ، سهل على الصليبين مهمتهم وأدى إلى نجاحهم في احتلال بيت المقدس وأقسام كبيرة من بلاد الشام. ففي سنة 492هـ/ 1099م، سقطت القدس بيد الصليبيين، وبذلك انتهت الفترة الأولى من تاريخها الإسلامي الذي دام نحو خمسمائة عام. وارتكب الغزاة في المدينة مجزرة رهيبة، وخصوصاً في منطقة الحرم الشريف حيث ذكرت الإحصاءات أن عدد ضحاياهم بلغ سبعين ألفاً، الأمر الذي يتناقض تناقضاً صارخاً مع تسامح عمر بن الخطاب والمسلمين فيما بعد. كما نهب الصليبيون ما كان في الصخرة والأقصى من كنوز وحولوا منطقة الحرم إلى كنائس ومساكن للفرسان وإسطبلات لخيولهم.

وهكذا، قامت في بيت المقدس مملكة لاتينية يتولى الحكم فيها ملك كاثوليكي، وأصبحت البطريركية الكاثوليكية تقوم على إقامة الشعائر الدينية للنصارى بدلاً من البطريركية الأرثوذكسية مما آذى شعور الطوائف المسيحية قاطبة وأثار استنكارها وعدم رضاها. ورغم ما أحدث الصليبيون، فإن المسلمون لم يسلموا بالهزيمة والقبول بالأمر الواقع، بل كانوا يتحينون الفرص لاسترجاع المدينة الذي شكل الهدف الأسمى عند القادة المخلصين الذين سعوا لتوحد الصفوف والنهوض بمهمة التصدي الجدي للصليبيين.

8- العصر الإسلامي الثاني:

سعى آل زنكي، عماد الدين ثم نور الدين، لتوحيد صفوف المسلمين وممالكهم وقتال الصليبيين في وقت واحد. واستطاع صلاح الدين الأيوبي أن يكمل ما بدأه ويسترد القدس من الصليبيين عام 1187 م بعد انتصار المسلمين في معركة حطين. ودخل صلاح الدين القدس صلحاً وسمح للصليبيين بمغادرتها بعد دفع جزية بسيطة، وسمح للمسيحيين الشرقيين بالبقاء في المدينة.

وفي خضم الانتصار الذي حققه المسلمون، أزال صلاح الدين الصليب عن قبة الصخرة ووضع فيها المصاحف وعين لها الأئمة، ووضع في المسجد الأقصى المنبر الذي أمر نور الدين بصنعه، ودشن إنشاءات إسلامية كثيرة بهدف تحصين المدينة كحفر خندق عميق وإنشاء سور وأبراج حربية من باب العمود إلى باب الخليل، كما اتخذ إجراءات متتالية لإسكان المسلمين بالقدس، وإنشاء مؤسسات مختلفة فيها، وهي إجراءات تبعه فيها خلفاءه من الأيوبيين.

ولكن ورثة صلاح الدين ارتكبوا بحق القدس – بعد كل ما عملوا من أجلها – خطيئتين كبيرتين: الأولى سنة 1219م، والثانية سنة 1129م. ففي الأولى أمر الملك العظيم عيسى ابن الملك العادل أبو بكر أخو صلاح الدين، متعللاً بالضرورات الاستراتيجية وبالعجز أمام الضغط الصليبي، بتخريب أسوار القدس وكثير من مبانيها خشية عدم القدرة على المحافظة على المدينة إثر احتلال الصليبيين لدمياط في السنة السابقة، وخوفاً من استحكام الصليبيين داخل أسوارها إن تمكنوا من احتلالها فيتعذر بالتالي إخراجهم منها. ومع أسوار القدس، خرب الجند الكثير من معالم المدينة وخرج كثير من سكانها متوجهين إلى الكرك ودمشق تاركين أموالهم وممتلكاتهم. وفي المرة الثانية، سلم الملك الكامل القدس – باستثناء منطقة الحرم – إلى الملك فردريك ملك صقلية، وظلت القدس بيد الصليبيين 11 سنة حيث عاد الملك الناصر داود واستردها. ولكنها عاد وسلمها للصليبيين بعد أربع سنوات مرة أخرى. وفي سنة 1244 م استرد الملك الصالح نجم الدين أيوب القدس نهائياً.

9- الاحتلال البريطاني:

سار التطور الذي شهدته القدس في القصر الأيوبي في خط متصاعد وثابت في عصر المماليك الذي دام نحو 260 سنة، وقد حظيت فيه المدينة بمظاهر التقدير بوصفها المدينة الثالثة في الإسلام، سواء في النهضة العمرانية أو في قيام المؤسسات الدينية والعلمية.ونالت القدس في عهد السلاطين العثمانيين الذي استمر أربعمائة عام (1556-1917) اهتماماً فائقاً. فقد أولوا الأماكن المقدسة كل العناية والرعاية، وسعوا في تعميرها وحماية الطرق المؤدية لها. فجددوا قبة الصخرة، وبنو سور القدس لحماية المدينة من العدوان الخارجي والغارات.

 

ومن المعروف أن الدولة العثمانية بلغت أوج قوتها في القرن السادس عشر، ثم بدأ الضعف يدب فيها مع نهاية ذلك القرن، وقد انعكست هذه الأوضاع على أقطار الدولة العثمانية عموماً، ومنها فلسطين والقدس. وظهر ذلك في عجز الدولة عن كبح النزاعات المسلحة بين أمراء الإقطاع، وسوء الإدارة، مما أثر بشكل كبير على الحركة الاقتصادية والعلمية والعمرانية في القدس ابتداءً من القرن السابع عشر الميلادي، وبلغ التدهور أوجه في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي حيث بدأ تأثير التغلغل الأجنبي في القدس والشعور بالخطر المتزايد يتهدد المدينة من الغربيين وفيهم الصهاينة، وسقطت القدس بأيدي الجيوش البريطانية في 8-9/12/1917، وكان البيان الذي أذاعه الجنرال اللنبي بداية المؤامرة والنكبة التي تعيشها القدس، حيث سارت حملات الاستيطان والتهويد في فلسطين بشكل عام، وفي القدس بشكل خاص بوتيرة متسارعه لتصبح على شكل هجمات استيطانية تستهدف إضفاء الطابع اليهودي على المدينة.