إقصاء غزة أم تدجين؟

إياد القرا

تذكر محمود عباس أن غزة خارج بيت الطاعة وأن عصمتها ليست في يده منذ 10 سنوات ولم يعد يحتمل عصيانها له، فقرر هذه المرة قطع يده التي يمدها لمن هم من أبناء حركة فتح ويتقاضون رواتبهم من خزينته، وهم الموظفون الذين أمرهم قبل 10 سنوات ألا يذهبوا لعملهم وأن يستنكفوا باعتبارهم أبناء الشرعية في مواجهة الانقلابيين.

 

هذه الثقافة غابت لفترة معينة وخاصة أن الشارع بدأ يدرك أنها ثقافة إقصائية عدوانية دفع ثمنها الشارع الفلسطيني دما وفقرا وجوعا وفرقة هي سنوات تولي عباس السلطة واستخدم فيها سلاح المال في مواجهة معارضيه.

 

إذًا ما الجديد في الأمر الذي دعا عباس للإقدام على ارتكاب جريمة خصم الرواتب في هذا الوقت تحديدا؟ يمكن تلخيصه في الأسباب التالية:

أولًا: لم يصب عباس اليأس بالانتقام من حركة حماس في غزة وهدفه إفشالها بأي شكل من الأشكال، وإدارة الظهر لكافة مبادراتها السابقة في التوجه للمصالحة ونداءات التصالح كما جاء على لسان رئيس مكتبها السياسي في خطابه الشهير أمام مؤتمر فتح السابع.

 

ثانيا: محاولة إخضاع حماس داخليا لصالح تحركاته السياسية القائمة على التجواب مع التحرك الأمريكي الخفي بطرح مبادرة تسوية لما يسمى الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي وتحييد حماس عن الساحة.

 

ثالثا: استخدام سياسة العصا والجزرة حيث فشلت كل الجهود الماضية في تدجين حماس سياسيا وفق الرؤية العباسية القائمة على نبذ حماس المقاومة والتخلي عن كافة أشكال السلطة بغزة على الرغم من أن عباس لم يقدم في جولات المصالحة الشكل الذي يرغب فيه عباس لغزة تحت سلطته بدليل أنه تراجع أكثر من مرة عن اتفاقيات للمصالحة تقوم بموجبها حماس بتسليم زمام الحكم كما حدث في تشكيل حكومة التوافق وتسليم المعابر والوزارات وآخرها اتفاق لإدارة جامعة الأقصى.

 

رابعًا: يدرك عباس أن حماس لديها الاستعداد أن تتنازل عن الحكم بغزة بشرط تمسكها بسلاح المقاومة وهو ما يرفضه عباس تماما، بل يرى أنه الشرط الأول لذلك وهو يتوافق مع مواقفه المعادية للمقاومة وضرورة مواجهتها بكافة السبل، بل يجد مبررا للاحتلال في عدوانه على غزة كما حدث في الحروب الثلاث الماضية التي شنها الاحتلال الاسرائيلي وصمت تجاهها ووفر الحماية للاحتلال في المحافل الدولية.

 

خامسًا: يرى عباس أن الظروف الدولية مواتية لإجبار حماس على التخلي عن قطاع غزة والقبول بأي حل يتوصل له مع الاحتلال برعاية الولايات المتحدة، ويعتقد أن حماس في مرحلة ضعف بسبب غياب الظهير الإقليمي.

 

سادسًا: يعتقد عباس أن خصم الرواتب والتضييق الاقتصادي وخلق أزمات إنسانية في غزة وهذه المرة من بوابة موظفي رام الله يمكن أن تخضع حماس لشروطه ورؤيته الخاصة بالتسوية مع الاحتلال تحت ضغط الحاجة الإنسانية وإحراج حماس وإجبارها على التفكير أكثر من مرة في حال فكرت في تفجير الأوضاع تجاه الاحتلال، وهو توافق بين رغبة عباس والاحتلال الذي لا يرغب بأي مواجهة وخاصة في ظل تهديدات حماس بالرد على عملية الاغتيال الأخيرة للأسير القسامي مازن فقها.

 

من الواضح أن غزة ستواجه مزيدا من الضغوط نحو محاولة أخيرة يقوم بها عباس لتدجينها للسير في مشروع التسوية أو ضمان صمتها، وفي حال أصرت على مواقفها يتم إخضاعها بالضغط من خلال خلق الأزمات أو استخدام العصا بعدوان إسرائيلي في محاولة لإقصائها وفق تهديدات الاحتلال.

 

وفي كل الأحوال يتضح أن إمكانية إخضاع غزة قد فشلت سابقا، كما أن سياسة احتوائها لم تأتِ بنتائج، وأن عباس لم ييأس من المحاولة مجددا وبأدوات جديدة.