الجزائر: زعيم "الإنقاذ" يدعو إلى حوار لا يقصي أحدا

الدوحة ـ قدس برس


أكد زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، الشيخ عباسي مدني، أن الجزائر تعيش أزمة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وأمنية، لا مخرج منها إلا بالعودة إلى الشعب ليقرر مصيره ويختار بكل حرية طريقه.

ورأى مدني في تصريحات خص بها "قدس برس"، في الذكرى السنوية لاندلاع الثورة الجزائرية، التي تصادف اليوم 1 تشرين ثاني (نوفمبر)، أن "العودة لرأي الشعب الذي فقد الشعب الثقة بهذا النظام، غير ممكنة إلا عن طريق حوار جاد وشامل بين النظام ومختلف مكونات الطبقة السياسية بدون استثناء ولا إقصاء بغية التأسيس لمرحلة انتقالية تتكفل بالإعداد السليم لاستحقاقات وطنية تعيد الكلمة للشعب ليختار ممثليه وطبيعة النظام الذي يبتغيه بكل حرية وسيادة".

وأشار مدني، الذي يعتبر واحدا من الأقلية المتبقية ممن أسهموا في تفجير ثورة أول تشرين ثاني (نوفمبر) ضد الاستعمار الفرنسي للجزائر، إلى "أن حالة الاحباط واليأس والقنوط التي استبدت بالجزائريين خلال العام الجاري 2017، وهم يستذكرون أمجاد ثورتهم، لا تضاهيها إلا تلك المشاعر التي سبقت ثورتهم عام 1954".

وقال: "ما أحوج البلاد إلى شباب نوفمبريين موحدين يشد بعضهم أزر بعض مصممين على إنقاذ وطنهم عاقدين العزم أن تحيا الجزائر، وتجديد العهد مع مبادئ نوفمبر المشروع الجامع لكل الجزائريين".

ورأى مدني، أن انتصارات الشعب الجزائري على الاستعمار الفرنسي، والتي قدم فيها مليون ونصف من الشهداء، تبخرت بعد أن تم اغتيال ذلك الانتصار.

وقال: "لقد رُهنت الثورة، وحُرّفت عن مسارها، واغتصبت السلطة، وسابت لغير أهلها، واغتيلت الآمال، وتبخرت الأحلام، وقُضي أمر الثورة في السنوات الأولى للاستقلال، وقد كان من المفروض أن تؤسس لدولة حرة مستقلة ديمقراطية اجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية.. وحدث الانقلاب على كل شيء".

وأضاف: "لقد أضحى الفاتح من نوفمبر، نوفمبر التفاؤل والأمل، مجرد ذكرى للحسرة والألم، والوقوف على أطلال خراب كبير أوصلتنا إليه سلطة الاستبداد والفساد والانفراد بالحكم، سلطة تعترف بعد أكثر من نصف قرن من التسيير أنها أوصلت البلاد إلى الجحيم، وقد شهد شاهد من أعوانها"..

وأكد مدني، أن "الانهيار أضحى شاملا والمأساة أعمق وأشد، ولا مناص من العودة إلى طريق الرشاد، وأن حل الأزمة لن يتأتى إلا عن طريق معالجة أسبابها".

وقال: "لا يختلف جزائريان على أن أم المآسي في الجزائر هي جريمة اغتصاب السلطة والخروج عن الشرعية ومصادرة إرادة الشعب وحرمانه من حقه في اختيار من يمثله ومن يحكمه، منذ الاستقلال إلى يوم الناس هذا".

وأضاف: "لم يتمتع الجزائري بحقه الحر في الاختيار إلا مرتين في استفتاء عام 1962، وعندما اختار الاستقلال اغتُصبت أحلامه، وفي عامي 1991 و1992، وعندما اختار الجبهة الإسلامية للإنقاذ صودرت إرادته".

وحذّر مدني من "أن طبائع الاستبداد، واستشراء الفساد أتت على الأخضر واليابس، نكلت بالرجال وهمشت الكفاءات، وطردت العبقريات، وبددت الثروات والخيرات وبذرت الأموال، وغرست اليأس في أعماق الجزائريين، ولم تحصد إلا الفشل والخراب".

وأضاف: "إني لأضم صوتي إلى صوت الخيرين من أبناء وطننا المفدى لأحذر من خطورة عجز النظام وفساده، في ظل غياب الرئيس شفاه الله، وشغور منصب الرئاسة، وشطط من يحكمون باسمه، مما يمثل تهديدا خطِرا على أمن الوطن ووحدته الترابية، وعلى استقرار المنطقة برمتها التي تشهد غليانا غير مسبوق"، على حد تعبيره.

يذكر أن "الثورة الجزائرية" أو حرب التحرير، كانت قد اندلعت في الفاتح من تشرين ثاني (نوفمبر) عام 1954، بمشاركة حوالي 1200 مقاتل كان بحوزتهم 400 قطعة سلاح وبضع قنابل تقليدية، فسارعت حكومة "منداز فرانس" إلى سجن كثير من الجزائريين في محاولة فاشلة لإحباط الثورة من مخططات عسكرية كبرى.

وانتهت الحرب بإعلان استقلال الجزائر في 5 تموز (يوليو) 1962، وهو نفس التاريخ الذي أعلن فيه احتلال الجزائر في سنة 1830.

وقد تلا إعلان الاستقلال الجنرال شارل ديغول عبر التلفزيون، مخاطباً الشعب الفرنسي.

جاءَ الاستقلال نتيجة استفتاء تقرير المصير للفاتح من تموز (يوليو)، (أول اختيار حر للشعب الجزائري) المنصوص علية في اتفاقيات إيفيان في 18 آذار (مارس) 1962، وأعلن على إثره ميلاد الجمهورية الجزائرية في 25 أيلول (سبتمبر) ومغادرة مليون من الفرنسيين المعمّرين بالجزائر منذ سنة 1830.

أما "الجبهة الإسلامية للإنقاذ"، فهي حزب سياسي جزائري تم حله بقرار من السلطات الجزائرية في آذار (مارس) 1992.

نشأت الجبهة في 18 شباط (فبراير) 1989 بعد التعديل الدستوري وإدخال التعددية الحزبية الذي فرضتهما الانتفاضة الشعبية في 5 تشرين أول (أكتوبر) 1988.

واعترفت الحكومة الجزائرية رسميا بالجبهة الإسلامية للانقاذ في 6 أيلول (سبتمبر) 1989 وكان يترأسها آنذاك الشيخ عباسي مدني وينوب عنه الشيخ علي بلحاج.

خاضت الجبهة الإسلامية أول انتخابات في 12 كانون ثاني (يناير) 1991 وفازت فيها. كما خاضت الانتخابات التّشريعية وفازت بها أيضا بنتيجة ساحقة لكنها ألغيت فيما بعد ونتج عن ذلك أيضا قرار حل الحزب.

وانضم الشيخ عباسي مدني (من مواليد 1931) بمدينة سيدي عقبة جنوب شرق الجزائر العاصمة، إلى ممارسة العمل السياسي منذ 1948 في الحركة الوطنية الجزائرية في عهد الاستعمار، وانخرط في المنظمة السرية التي أعدت وفجرت الثورة التحريرية في أول تشرين الثاني (نوفمبر) 1954.

نفذ مدني أول عملية عسكرية له ليلة اندلاع الثورة، حيث قاد مجموعة من المجاهدين الذين هاجموا مقر الاذاعة الفرنسية بالجزائر العاصمة وبعدها اعتقل ليقضي أكثر من سبع سنوات في السجن، وكان يمثل الجناح الإسلامي الذي أسس نواة الحركة الإسلامية الجزائرية واعتقلته الشرطة الفرنسية في 1954 وبقي في السجن السنوات السبع (1954-1962) التي استغرقتها حرب التحرير.

أعلن الشيخ مدني الحاصل على دكتوراه الدولة في مادة التربية من بريطانيا، في تشرين الأول/أكتوبر 1988 تأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وانتخب رئيساً لها من طرف مجلسها الشورى.

وفي حزيران (يونيو) 1990 قاد حزبه إلى أول نجاح انتخابي، حيث فازت الجبهة الإسلامية بالأغلبية في مجالس البلديات والولايات في أول اقتراع تعددي تشهده الجزائر منذ استقلالها في 1962.

وألقي القبض عليه عام 1991 وأفرج عنه سنة 1997 لأسباب صحية لكن بقي تحت الإقامة الجبرية حتى انقضاء مدة سجنه سنة 2004.

ويعيش حاليا خارج الجزائر بقطر.