القدس ... الفضائل

 فضل الله سبحانه وتعالى من الأرض بقاعاً احتضنها بتشريفه وتعظيمه، وجعلها مواطن للعبادة والطاعة، تضاعف فيها الحسنات وتنمو بها الأجور. وقد أخبرنا الله تبارك وتعالى من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة بأن أفضل هذه  البقاع هي مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وبيت المقدس. فكما ارتبطت الأولى بكونها بلد الرسول صلى الله عليه وسلم ومهبط وحيه، وقبلة المسلمين، وبها الكعبة المشرفة، وارتبطت الثانية بكونها مأوى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة، وبها قبره ومسجده، فإن بيت المقدس ارتبطت بالعقيدة الإسلامية من خلال معجزة الإسراء والمعراج حيث خصّها الله بالبركة. والبركة في لغة العرب تعنى النمو والزيادة في الخير، وفي الشرع "ثبوت الخير الإلهي في الشيء"، ومن ذلك، قوله تعالى {سبحان الذي أسرى بعيده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير}، وقوله تعالى {ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين}.

 

1- البركة المعنوية:

وهي جانب مهم من جوانب البركة التي اختص الله بها أرض بيت المقدس. ومنشأ هذه البركة يرجع إلى عدة أمور هي:

أن هذه الأرض مبعث الأنبياء ومهبط الملائكة، وهي مدفن الرسل والأنبياء والأرض التي يبعثون منها، وهي أيضاً أرض المحشر والمنشر والحساب ووضع الموازين للناس. فبالنسبة للأمر الأول، شهدت أرض فلسطين عامة وبيت المقدس خاصة نزول الوحي السماوي على كثير من الأنبياء كداود وسليمان وإبراهيم ولوط وموسى .

ولم يقتصر نزول الملائكة على هذه الأرض على الإيحاء بالتعاليم السماوية للأنبياء، وإنما تحظى ذلك بنزول دائم للملائكة كما ورد في الحديث الذي رواه زيد بن ثابت رضي الله عنه بأنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "يا طوبى للشام يا طوبى للشام" فقال الصحابة رضوان الله عليهم، يا رسول الله وبم ذلك؟ قال "تلك ملائكة الله باسطة أجنحتها على الشام". أي أن الملائكة تحفها وتحوطها بإنزال البركات ودفع المهالك والمؤذيات.

وبالنسبة للأمر الثاني، كثرة ما دفن فيها من الأنبياء والصالحين، فقد جمع الله سبحانه وتعالى الأنبياء لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليصلي بهم إماماً في المسجد الأقصى. فقد روي ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد الأقصى قام يصلي فالتفت فإذا النبيون أجمعون يصلون معه. وقال ابن كثير في تفسيره "بيت المقدس الذي بإيلياء معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل عليه السلام، ولهذا جمعوا له هناك كلهم فأمهم في محلتهم ودارهم فدل على أنه الإمام الأعظم والرئيس المقدم".

وأما بالنسبة لكونها أرض المحشر والمنشر والحساب، فقد روى الإمام أحمد بن حنبل – بمسنده – عن ميمونة بنت سعد مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس، فقال "أرض المحشر والمنشر"، فبعد أن يخرج الناس من قبورهم يوم القيامة يساقون إلى بيت المقدس لينتظروا فصل القضاء بينهم.

ويترتب على كون أرض فلسطين وبيت المقدس أرض مباركة عدة آثار منها: أنها عقر دار الإسلام في وقت اشتداد المحن والفتن، ويظل هذا الأثر ملازماً لهذه الأرض ما دامت تتصف بالبركة الإلهية، وهي لا تنقطع ما دامت السماوات والأرض. وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين إلى ذلك في عدة أحاديث صحيحة، ومنها ما رواه عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما حيث قال "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فنظرت فإذا هو نور ساطع عمد به إلى الشام، ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام".

وعن آثار بركة أرض فلسطين أن المقيم المحتسب فيها يعتبر مجاهداً في سبيل الله ومرابطاً، لأن هذه الأرض عرضة للغزو في كل وقت لمكانتها وشرفها فهي محل أطماع الغزاة، ولهذا كان قدر أهل الشام وفلسطين أنهم مرابطون إلى يوم القيامة، حيث روى الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهل الشام وأزواجهم وذرياتهم وعبيدهم وإماؤهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون في سبيل الله، فمن احتل منها مدينة من المدائن فهو في رباط، ومن احتل منها ثغراً من الثغور  فهو في جهاد".

وأخيراً، إن أهل بيت المقدس وفلسطين منصورون بإذن الله ما داموا على الحق المبين، ينتقم الله بهم من أعداء الدين. فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك. قيل يا رسول الله أي هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس".

وروى الطبراني عن خريم بن فاتك الأسدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "أهل الشام سوط الله في أرض ينتقم بهم ممن يشاء من عباده، وحرام على منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم ولا يموتوا إلا هماً وغماً".

 

2- البركة الحسية:

وإلى جانب البركة المعنوية، هناك البركة الحسية ومن مظاهرها: الموقع المتوسط، فهي قلب الوطن الإسلامي، وبوابة القادمين من آسيا في طريقهم إلى إفريقية وبالعكس.

وهي فضلاً عن ذلك، ذات موقع وسط بين بلدان العالم القديم على المستويين الحضاري والعسكري، وربما كان هذا أحد الأسباب الرئيسية لاختيارها مبعثاً لعديد من الأنبياء، ومستقراً للرسالات السماوية، ومنطلقاً للجيوش الغازية والفاتحة لما حولها من البلاد. فقد مر بها الإسكندر المقدوني عندما غزا مصر، واتخذها عمرو بن العاص قاعدة لانطلاق الجيوش الإسلامية لفتح مصر. وقد كانت موانئ فلسطين قواعد لسفن المسلمين المتجهة لفتح جزر البحر الأبيض المتوسط. ومن مظاهر البركة الحسية لأرض فلسطين، النشاط الزراعي الكثيف الذي تمخض عن وفرة في البحار والعيون والأنهار. فالقدس تعد من أخصب بلدان فلسطين، تحيط بها بساتين وكروم ومزارع وأشجار فاكهة وزيتون. وتنتشر حولها قرى كثيرة الزروع والأشجار. وفضلاً عن زراعة الأتراج، واللوز، والجوز، ازدهرت زراعة التين والموز والسماق. ويعد الزيتون من أكثر مزروعات القدس وفرة حيث يستخرج منه الزيت، ويحفظ في الآبار والأحواض ليصدر إلى عدد من بلاد العالم. وفي الجملة، فإن سائر جبال فلسطين وسهولها ملأئ بالزيتون والتين وسائر الفواكه.

ويرجع سبب هذه الكثرة في الأشجار الثمار إلى وفرة المياه. ففلسطين تقع على البحر المتوسط، وفيها البحر الميت وبحيرة طبريا، وهي بحيرة مشهورة على جانب شواطئها تتفجر ينابيع شديدة الحرارة، وماءها ملحي كبريتي يتخذ علاجاً طبيعياً لترهل  البدن والجرب وغير ذلك، وفيها العيون والجداول والأنهار كعيون عسقلان وأريحا وبيسان والخليل وقيسارية وسلوان، بالإضافة إلى كمية الأمطار الكبيرة التي تسقط على أرض فلسطين في فصل الشتاء.

 

3- القدسية:

لقد نص الله تعالى على قدسية هذه الأرض في كتابه الكريم، فقال على لسان موسى عليه السلام {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين} (48)، والمقدسة في الآية بمعنى المطهرة، ويقال للسطل الذي يتطهر به قدس، ومن هنا جاءت تسمية بيت المقدس. وترجع قدسية أرض فلسطين إلى كونها أرض المسجد الأقصى والصخرة المشرفة، وهما موجودان قبل بعثة سيدنا موسى وعيسى عليهما السلام، أي قبل بناء هيكل اليهود، وكنيسة المهد الموجودة في بيت لحم وكنيسة النصارى الموجودة في القدس والمعروفة بكنيسة القيامة.

ويترتب على كون أرض بيت المقدس طاهرة أنها لا تقبل شركاً ولا عدواناً ولا ظلماً ولا علواً في الأرض، ولا يدخلها الدجال في آخر الزمان. ففيما يتعلق بالأولى، كان من أثر قدسية هذه الأرض خلو بيتها المشرف من الأصنام والأوثان في غالبية العصور، وهي لا تتحمل الظلم والعدوان، ولم تمكن للأمم العاتية من العيش فيها ولا الاستقرار عليها، وقد سجل التاريخ الهزائم والنكبات التي حلت بالدول التي تعاقبت على الأرض المقدسة عند تماديها في الظلم والعدوان. وكانت هذه الحقيقة واضحة وجلية، إذ تعرض اليهود لعدة غزوات من الفرس والروم بسبب عودتهم إلى الفساد والعلو في الأرض. كما تعرض الفرس الذين حكموا فلسطين وبيت المقدس في القرن الأول قبل الميلاد إلى أشنع هزيمة على يد الرومان. وأصبحت هذه الحقيقة سنة ماضية في الأمم والدول إلى يوم القيامة، فلما تفرق المسلمون وانقسموا إلى دولتين، سلط الله عليهم الصليبيين، ولما طغى الصليبيون وبغوا في الأرض سلط الله عليهم القائد صلاح الدين الأيوبي وحرر المسجد الأقصى من قبضتهم. ولم يتحقق هذا الانتصار إلا بعد أن وحد صلاح الدين الصف الإسلامي وطهر تصورات المسلمين ومعتقداتهم مما علق بها من مفاهيم خاطئة، وشعارات زائفة، وقناعات منحرفة.

ومن آثار قدسية بيت المقدس أن الدجال – كما أسماه الرسول صلى الله عليه وسلم – لكثرة تدجيله وكذبه وادعائه الألوهية يظهر على كل الأرض ما عدا الكعبة ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى ومسجد الطور.

فقد روى أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفة عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الدجال فقال "وإنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس وأنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس، فيهزمه الله وجنوده حتى أن جذم – أصل – الحائط وأصل الشجرة ينادي يا مؤمن هذا كافر يستتر بي تعال فاقتله".